محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

652

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

التصديق والتصديق قد يكون بالقول وقد يكون بالقول والفعل ، فيكون المعنى : وما كان اللّه ليضيع تصديقكم رسوله بصلاتكم إلى بيت المقدّس عن أمره ؛ وهذا المعنى مرويّ عن ابن عبّاس « 1 » في رواية عكرمة أو سعيد عنه ، قال : إيمانكم تصديقكم نبيّكم في القبلة الأولى واتّباع نبيّكم في القبلة الأخرى ، أي ليعطيكم أجرهما جميعا وقد خاطب الأحياء دون الأموات على عادة العرب إذا اجتمع في الخبر المخاطب والغائب غلّبوا المخاطب . وقوله إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ ، الرأفة المبالغة في الرحمة « 2 » ، والرحمة اسم جامع ينتظم هذا المعنى وغيره ، وجمع بين الكلمتين للتأكيد وفيه لغتان رؤوف على وزن فعول ، ورؤوف على وزن فعل ، والأوّل قراءة أهل الكوفة والثاني قراءة أهل المدينة . الأسرار قال المتوجّهون إلى قبلة الأمر : تحويل القبلة كتعيين أهل التوجيه إلى جهة معيّنة ، ولقد كانت الملائكة - عليهم السلام - يسجدون للّه في سمائه وأرضه : فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ فلمّا عيّنت الجهة إلى آدم - صلوات اللّه عليه - كان ذلك امتحانا لمن يتّبع الأمر ومن لم يتّبع فانقلب على عقبيه ، كذلك حكم تحويل القبلة ، وهناك تميّز الشيطان عن الملك ، وهاهنا تميّز المنافق عن المؤمن ، وللّه تعالى امتحانات لعباده على صيغة تكليفات ليميّز اللّه الخبيث من الطيّب ؛ وكما أنّ الأمشاج والأمزجة تبتلى بالاستحالات والتغييرات ليتميّز الصالح عن الفاسد والصفو عن الكدر كذلك النفوس والقلوب تبتلى بالتكليفات والتحويلات ليتميّز المسلم المطيع عن المنكر المستكبر ، والتكاليف عن وفق العقول غير والتكاليف عن خلاف المعقول غير ، والصبر على ما يعلم غير والصبر على ما لا يعلم غير ، ومن خصائص الحنيفية التسليم على كلّ حال كما بيّنا ، وكذلك ( 264 ب ) تحويل القبلة من خصائص التسليم وهي الحنيفية والإسلام . وسرّ آخر : في قوله « إلا ليعلم » وقد كثرت أقاويل المتأوّلين فيه ، ولو علموا امتياز حكم المفروغ عن حكم المستأنف لما تحيّروا ذلك التحيّر ، وقد علمت أنّ للّه حكما مفروغا

--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : التفسير . ( 2 ) . في الهامش عنوان : اللغة والقراءة .